Blog Post

الضفة الغربية بين نار الأسعار ووهم التعبير الرقمي

أبريل 5, 2026 سوشال ميديا
الضفة الغربية بين نار الأسعار ووهم التعبير الرقمي

بقلم / صدقي ابوضهير – باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في الضفة الغربية، لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات مجرد خبر اقتصادي عابر، بل أصبح عامل ضغط يومي يعيد تشكيل حياة الناس بتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة. كل زيادة في سعر الوقود لا تقف عند حدود المركبات، بل تمتد لتضرب سلسلة كاملة من التكاليف؛ المواصلات ترتفع، أسعار السلع الأساسية تتضاعف، كلفة الإنتاج والخدمات تتضخم، وفي المقابل يبقى دخل المواطن ثابتًا أو يتراجع فعليًا أمام هذا الارتفاع المتسارع. النتيجة واضحة؛ قدرة شرائية تتآكل، وضغط نفسي يتراكم، وشعور عام بأن الحياة أصبحت أثقل من أن تُحتمل.

لكن المفارقة لا تكمن فقط في الواقع الاقتصادي، بل في الطريقة التي يتفاعل بها الناس مع هذا الواقع. مع كل موجة ارتفاع، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة للتفريغ. منشورات غاضبة، صور ساخرة، تعليقات حادة، وحالة من التفاعل الجماعي الذي يوحي بوجود وعي وحضور. المستخدم يكتب، يعلّق، يشارك، ويشعر أنه قام بدوره، أنه عبّر عن موقفه ووصل صوته. لكن ما يحدث فعليًا أن هذا الغضب يتم استهلاكه داخل المنصة نفسها.

يمر الوقت، تختفي القصص بعد ساعات، تتراجع المنشورات، ويهدأ التفاعل، بينما يبقى الواقع كما هو دون تغيير يُذكر. هنا يظهر ما يمكن تسميته بالتفريغ الرقمي منخفض الأثر؛ حالة يفرغ فيها الإنسان طاقته العاطفية بشكل يمنحه راحة مؤقتة، لكنها لا تتحول إلى فعل حقيقي أو تأثير ملموس.

هذا السلوك لم يعد عفويًا بالكامل، بل أصبح جزءًا من نمط تشكله المنصات نفسها. الخوارزميات لا تهتم بعمق القضية بقدر ما تهتم بحجم التفاعل. الغضب، الجدل، السخرية، كلها مواد مثالية لرفع نسب التفاعل وزيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم داخل التطبيق. بمعنى أدق، كلما عبّرت أكثر، بقيت أكثر، وكلما بقيت أكثر، زادت قيمة هذا السلوك بالنسبة للمنصة، لا بالنسبة لحياتك.

وهنا تتضح الإشكالية الحقيقية؛ المستخدم يعتقد أنه يمارس تأثيرًا، بينما هو في الواقع يعيد تدوير مشاعره داخل نظام مصمم لامتصاصها لا لتحويلها إلى تغيير. الفرق كبير بين أن تصل بصوتك وبين أن تُحدث أثرًا، وما يحدث في كثير من الأحيان هو وصول بلا نتيجة.

الأخطر من ذلك أن القضايا الكبرى، مثل ارتفاع أسعار المحروقات، تتحول تدريجيًا إلى محتوى مؤقت. يتم تداولها ليوم أو يومين، ثم تُستبدل بقضية أخرى، وكأنها موجة عابرة لا أزمة مستمرة. هذا النمط يعيد تشكيل الوعي الجمعي، حيث يتراجع الإحساس بالصدمة، ويحل مكانه نوع من التبلد الرقمي؛ الناس لم تعد تفكر بعمق، بل تتفاعل بسرعة ثم تمضي.

عند النظر إلى التعليقات، يظهر حجم الغضب الحقيقي، لكن هذا الغضب يفتقر إلى الاتجاه. هو غضب بلا تنظيم، بلا هدف واضح، وبلا أدوات ضغط حقيقية. صوت مرتفع، لكنه مبعثر، وهذا ما يجعله أقرب إلى الضوضاء منه إلى القوة المؤثرة.

في هذا السياق، لا يمكن القول إن هناك سيطرة مباشرة، لكن من الواضح أننا أمام حالة إدارة غير مباشرة للسلوك الرقمي. المنصات لا تمنعك من الغضب، لكنها تحدد مساره، تبقيه داخل الشاشة، وتمنحه شكلاً يبدو فعالًا لكنه في الحقيقة محدود الأثر.

السؤال الذي يجب طرحه ليس لماذا نغضب، بل ماذا نفعل بهذا الغضب. إذا بقي مجرد منشور أو تعليق، فهو يتحول إلى وقود إضافي للمنصة. أما إذا تم توجيهه ضمن محتوى واعٍ، أو مبادرة منظمة، أو ضغط حقيقي، عندها فقط يمكن أن يتحول إلى بداية تغيير.

المشكلة ليست في التعبير، بل في الاكتفاء به. وفي واقع مثل الضفة الغربية، حيث الأزمات مركبة ومستمرة، يصبح الوعي بكيفية إدارة هذا الغضب هو الفارق بين مجتمع يستهلك أزماته، ومجتمع يبدأ بالتعامل معها بجدية وفعالية.