الخوارزميات المسمومة: كيف تحوّلنا منصات المحتوى إلى عقول تتغذّى على الوجبات السريعة الرقمية
بقلم : صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
في زمنٍ تتسارع فيه تدفّقات المعلومات، لم تعد الخوارزميات مجرّد أدوات تنظيم بريئة، بل تحوّلت إلى ما يشبه الوجبات السريعة للعقل؛ مشبعة، لذيذة لحظيًا، لكنها فقيرة غذائيًا ومسمومة على المدى البعيد. الخوارزميات اليوم تُصمَّم لتغذّي انتباهنا لا وعينا، ولتُشبع غرائزنا لا تفكيرنا النقدي، تمامًا كما تفعل الأطعمة فائقة المعالجة المحمّلة بالكربوهيدرات والسكريات التي تمنح طاقة سريعة، ثم تترك الجسد منهكًا، مرتبك التوازن، ومدمنًا على المزيد.
هذه الخوارزميات “المسمومة” لا تُنتج معرفة، بل تُنتج استهلاكًا متواصلًا. هي لا تسأل: ماذا يحتاج العقل؟ بل تسأل: ما الذي يُبقيه مشدودًا أطول وقت ممكن؟ فتُقدَّم المحتويات في جرعات قصيرة، متشابهة، عالية الإثارة، منخفضة العمق، تُخاطب الدماغ البدائي المسؤول عن المتعة السريعة، وتُهمّش المناطق المعرفية المرتبطة بالتحليل والتفكير المركّب. والنتيجة عقلٌ ممتلئ بالمحتوى، فارغ من الفهم، تمامًا كجسدٍ ممتلئ بالسعرات، فقير بالعناصر الغذائية.
التشبيه مع الوجبات السريعة ليس مجازيًا فقط، بل بنيوي. كما أن شركات الأغذية الصناعية درست كيمياء الجوع والإدمان، درست منصات الخوارزميات كيمياء الانتباه والدوبامين. التكرار، المفاجأة، الجدل، الغضب، الخوف، كلها منكّهات رقمية تُضاف إلى المحتوى لرفع “قابليته للاستهلاك”، حتى لو كان بلا قيمة معرفية. ومع الوقت، يعتاد العقل هذا النمط، فيفقد قدرته على الصبر المعرفي، وعلى قراءة نص طويل، أو متابعة فكرة معقّدة، أو تحمّل رأي مخالف دون نفور.
الأخطر أن هذه الخوارزميات لا تكتفي بإضعاف التفكير، بل تعيد تشكيله. فهي تصنع فقاعات إدراكية، تُعيد علينا ما نحب ونؤمن به، وتُقصي ما يُربكنا أو يتحدّى قناعاتنا. وهنا يصبح العقل مثل شخص يتغذّى يوميًا على الوجبات السريعة نفسها؛ يظن أنه شبعان، لكنه في الحقيقة يعاني من سوء تغذية معرفية. تتآكل القدرة على النقد، ويضعف الحسّ بالتحقّق، وتتحوّل الآراء إلى ردود فعل، والمعرفة إلى انطباعات سريعة.
في السياق الفلسطيني، كما في غيره، يظهر هذا التأثير بوضوح أكبر، لأن الخوارزميات لا تعمل في فراغ، بل داخل بيئات مشحونة سياسيًا ونفسيًا. المحتوى العاطفي الحاد يُفضَّل، والصورة الصادمة تنتشر أسرع من التحليل العميق، والرواية المختزلة تتقدّم على الفهم المركّب. وهكذا يُدفع المستخدم، دون أن يشعر، إلى استهلاك سرديات جاهزة، بدل بناء موقف واعٍ قائم على معرفة وسياق.
مقاومة هذه الخوارزميات لا تعني الانسحاب من الفضاء الرقمي، كما أن مقاومة الوجبات السريعة لا تعني التوقف عن الأكل، بل تعني استعادة الوعي الغذائي. نحتاج إلى “نظام غذائي معرفي” متوازن، يدمج بين السرعة والعمق، بين الخبر والتحليل، بين التفاعل والتفكير. نحتاج إلى تدريب العقل على الصبر، وعلى طرح الأسئلة، وعلى الشك المنهجي، وعلى كسر الإدمان الخوارزمي الذي يُقايض وعينا بلحظات متعة عابرة.
في النهاية، الخوارزميات ليست شرًّا مطلقًا، لكنها تصبح سامة حين تُترك بلا وعي، وبلا مساءلة، وبلا قدرة على الاختيار. وكما تعلّمنا أن الجسد لا يعيش على السكر وحده، يجب أن نتعلّم أن العقل لا يعيش على الترند وحده. العقل يحتاج إلى غذاء حقيقي، بطيء أحيانًا، غير مُغري شكليًا، لكنه وحده القادر على بناء إنسانٍ واعٍ، لا مُستهلكٍ دائم.