حين تصبح القلوب “أونلاين”.. من يتأذّى أكثر في العواطف الرقمية: المراهق أم من تجاوز الأربعين؟
حين تصبح القلوب “أونلاين”.. من يتأذّى أكثر في العواطف الرقمية: المراهق أم من تجاوز الأربعين؟
بقلم / صدقي ابوضهير – باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
في العقدين الأخيرين، تحوّل العالم الرقمي إلى مسرحٍ ضخم للانفعالات الإنسانية، حيث تُعبَّر المشاعر بوجوهٍ افتراضية، وتُخاض الصراعات داخل غرف الدردشة أكثر من البيوت والمقاهي. غير أن هذا الانغماس العاطفي في الفضاء الإلكتروني يختلف تأثيره تبعاً للمرحلة العمرية والجنس؛ فالمراهقون والبالغون فوق سن الأربعين يواجهون تحديات نفسية وانفعالية متناقضة، لكنها تتقاطع في نقطةٍ واحدة: الحاجة إلى الانتماء العاطفي وسط عزلة رقمية متزايدة.
المراهقون… مشاعر متقلبة وهوية في طور التكوين
تشير دراسات “مركز بيو للأبحاث” (Pew Research Center, 2023) إلى أن 71% من المراهقين يشعرون بالقلق أو الحزن بعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترات طويلة. المراهقة مرحلة تتسم باضطراب الهرمونات والبحث عن القبول الاجتماعي، ومع المنصات الرقمية أصبحت “الإعجابات” والمشاهدات معياراً لتقدير الذات.
العلاقات الافتراضية لدى المراهقين غالباً قصيرة المدى وسريعة التغير، تنشأ من اندفاع عاطفي أكثر من ارتباط واقعي. فالمراهق يعيش ما يُعرف بـ”تضخيم الانفعال”؛ إذ تثيره الرسائل والتفاعلات البسيطة كما لو كانت اعترافات حب حقيقية. هذا يخلق حالة من الإدمان العاطفي الرقمي، حيث يصبح الهاتف هو الوسيط بين الشعور بالحب أو الرفض.
ما بعد الأربعين… حنين، فراغ، وقلق الهوية الثانية
في المقابل، تُظهر دراسة جامعة ستانفورد (2022) أن 44% من المستخدمين فوق الأربعين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يومياً على شبكات التواصل الاجتماعي، ليس بدافع التسلية فحسب، بل بحثاً عن تواصل إنساني فقدوه بفعل نمط الحياة الحديثة.
في هذه المرحلة، يواجه الفرد ما يسميه علماء النفس “أزمة منتصف العمر الرقمية” — مزيج من الحنين للذات القديمة والرغبة في إعادة اكتشاف الشباب. الانفعالات العاطفية هنا تأخذ طابعاً أعمق وأحياناً أكثر خطورة، لأنها تُبنى على تجارب سابقة ومشاعر مكبوتة. بعض الدراسات تشير إلى أن هذا الفئة أكثر عرضة للعلاقات الرقمية العاطفية، التي قد تهدد استقرار الأسرة أو تخلق فراغاً عاطفياً يصعب ملؤه لاحقاً.
من المتضرر أكثر؟ النساء أم الرجال؟
البيانات تشير إلى أن النساء، في كلا الفئتين العمريتين، أكثر تأثراً بالانفعالات الرقمية مقارنة بالرجال.
- دراسة جامعة أكسفورد (2024) وجدت أن النساء يتفاعلن عاطفياً بنسبة 30% أكثر من الرجال مع المحتوى الاجتماعي، خصوصاً في القضايا العاطفية والعلاقات.
- بينما أظهرت دراسات “American Psychological Association” أن الرجال يميلون إلى الكبت الانفعالي الرقمي، في حين تُظهر النساء عواطفهن علناً، ما يجعلهن أكثر عرضة للتأثر النفسي من التنمر أو الإهمال العاطفي على الإنترنت.
لكن في المقابل، الرجال بعد الأربعين أكثر قابلية للانزلاق نحو علاقات رقمية بديلة، غالباً نتيجة الملل أو الشعور بفقدان القيمة الذاتية، ما يخلق ضرراً اجتماعياً طويل الأمد لا يقل خطورة عن الأثر النفسي لدى النساء.
رابعاً: قراءة تحليلية بالمنظور المنظومي
إذا نظرنا للظاهرة بمنهج التفكير المنظومي، نجد أن الانفعال الرقمي ليس مجرد مشكلة فردية، بل نتيجة لتفاعل ثلاثة أنظمة:
- النظام النفسي (الاحتياجات العاطفية والهرمونية).
- النظام الاجتماعي (العزلة، ضعف التواصل الواقعي، ضغط المقارنة الاجتماعية).
- النظام التقني (خوارزميات التعزيز الانفعالي التي ترفع محتوى الإثارة والتفاعل العاطفي).
كل هذه الأنظمة تخلق دائرة مفرغة: المستخدم يبحث عن العاطفة → المنصة تكافئه بالمزيد من الإثارة → يعود أكثر ارتباطاً بها → فيتفاقم الانفصال عن الواقع.
خلاصة وتوصية
المراهق يتضرر نفسياً أكثر من حيث تشكّل الهوية والانفعال اللحظي، أما من هم فوق الأربعين فيتضررون اجتماعياً وعاطفياً على المدى الطويل.
أما النساء فهنّ الأكثر تأثراً على المستوى العاطفي والنفسي، بينما الرجال أكثر عرضة لتداعيات اجتماعية وأسرية نتيجة التورط في علاقات رقمية بديلة.
الحل يبدأ من تعليم الذكاء العاطفي الرقمي، وتعزيز مهارات الوعي بالذات والانضباط في استخدام المنصات. فالعاطفة الرقمية ليست عيباً، لكنها تحتاج إلى تربية رقمية تضبط الإيقاع بين القلب والشاشة.