تغريدة واحدة تهز العالم الرقمي: كيف تُشكّل خوارزميات “تروث سوشيال” تأثير ترامب على الرأي العام؟
بقلم: صدقي أبوضهير
باحث ومستشار في الإعلام والتسويق الرقمي
في عصرٍ تتحكم فيه الخوارزميات بما نقرأ ونشاهد ونؤمن به، تظل تغريدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” (Truth Social) ظاهرة سياسية وإعلامية تستحق التحليل.
فكل منشور له لا يثير تفاعل أنصاره فحسب، بل يشعل دوائر أوسع من الجدل في الإعلام التقليدي والرقمي.
لكن السؤال الأعمق هو: هل قوة التأثير نابعة من شخص ترامب أم من الخوارزميات التي تضخّم صوته؟
“تروث سوشيال”.. منصة الحرية أم غرفة الصدى؟
أطلق ترامب منصته عام 2022 بعد حظره من “تويتر”، لتكون منبرًا حرًّا لأنصاره دون قيود شركات التكنولوجيا الكبرى.
تشبه المنصة “تويتر” في الشكل، لكنها تختلف في جمهورها الذي يغلب عليه الطابع المحافظ.
ووفقًا لتقرير Pew Research Center (2024)، فإن 55% من مستخدمي المنصة يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للأخبار، ما يجعلها بيئة مغلقة تُكرّس ظاهرة “غرف الصدى”، حيث يسمع المستخدم ما يوافق قناعاته فقط.
ترامب كـ “ماركة سياسية” تصنع الحدث
ترامب ليس مجرد مستخدم نشط، بل هو رمز اتصالي عالمي. يُجيد اختيار العبارات المثيرة، ويعرف متى ينشر لتتحول تغريداته إلى عناوين في كبرى القنوات. قوته تكمن في ثلاث سمات: الرمزية، واللغة الصادمة، والتوقيت الذكي. لكن هذا التأثير البشري لا يكفي وحده؛ فخلف كل تغريدة تعمل خوارزميات دقيقة تُقرر مدى انتشارها.
الخوارزميات… اليد الخفية وراء التضخيم
الخوارزميات هي المحرر غير المرئي الذي يختار ما يظهر على شاشاتنا. في “تروث سوشيال”، تُكافأ المنشورات الجدلية بمزيد من الظهور لأنها ترفع نسب التفاعل. تشير دراسة جامعة ستانفورد (2023) إلى أن المحتوى العاطفي ينتشر بنسبة 70% أسرع من المحتوى المحايد، لأن المستخدمين يميلون إلى مشاركته أكثر.وهكذا تتحول تغريدة واحدة إلى موجة رقمية تنتقل من المنصة إلى وسائل الإعلام العالمية.
تحالف المنفعة بين ترامب والخوارزميات
العلاقة بين الطرفين تفاعلية لا تنافسية:
- ترامب يقدّم المحتوى الجدلي الذي يشعل الجدل.
- الخوارزميات تضخّمه وتكافئه بالانتشار.
هذا “التحالف التقني السياسي” يجعل ترامب منتجًا للمحتوى ومحركًا للمنصة في الوقت نفسه، ويحوّل المنصة الصغيرة إلى منصة تأثير عالمي.
التأثير على الرأي العام
تغريدات ترامب تُحدث نتائج مباشرة:
استقطاب سياسي واجتماعي داخل المجتمع الأمريكي.
- تشكيل الأجندة الإعلامية عالميًا.
- انتشار المعلومات المضللة في بيئة رقمية مغلقة.
- تعزيز الانتماء الرقمي لأنصاره الذين يرونه “صوتًا مضادًا للإعلام التقليدي”.
وهكذا لا تنقل تغريداته مجرد رأي، بل تعيد تشكيل المزاج الجمعي للمجتمعات الرقمية.
من يصنع التأثير؟ ترامب أم الخوارزميات؟
الجواب ليس أحاديًا.
فالتأثير نتاج تحالف بين الكاريزما البشرية والتقنية الحسابية؛ ترامب يُشعل الجدل، والخوارزميات تنشره، والجمهور يعيد تدويره بلا توقف. إنها منظومة تأثير معقدة تُنتج ما يمكن تسميته بـ “الرأي العام المبرمج”، حيث لا يصنع الحدث من يقوله فقط، بل من تُبرمجه الخوارزمية ليُسمع أكثر.